Sunday, March 27

اليمن: 48 عاماً من العزلة



من أجمل الاشياء التي كشف عنها ربيع الثورات العربية هو مدى التلاحم والترابط بين ابناء الوطن العربي الواحد حيث لم ينتظر الشعوب من يحكموهم ليوحدوهم وانما وحدتهم المصيبة المشتركة في عمرٍ ولى دون ان يسجل فيه اي تقدم في تاريخنا لابل وسجلنا تراجعاً كبيراً في نواحٍ عدة.

هذا التلاحم العربي لم يتجلى فقط في تتابع الثورات وكأننا في سباقات التتابع الاولمبية حيث تتحرر بلادٌ تلو الاخرى في مشهدٍ بديع يرسم حدود الوطن العربي كأنها بلاد واحدة والدول المتحررة والتواقه للتحرير ليست إلا ولايات في هذه الدولة الجامعة لكل العرب. هذا التلاحم تجلى في اهتمامنا كعرب ببعضنا البعض وهنا ظهرت اليمن اخيراً اعلامياً على المشهد العربي الذي ظلت مهمشة فيه لفترة من الزمن. هذا التهميش نحن سبب كبير فيه.

يؤسفني ان ارى بعض اصدقائي العرب وهم ليس لديهم ادنى فكرة عن اليمن في حين ان معظم اليمنين تقريبا ملمين بأحوال اخوتهم العرب.


اليمن ماقبل ثورة سبتمبر كانت مشاركة بشكل لابأس به في المشهد العربي فهي من الدول المؤسسة لجامعة الدولة العربية حيث كان وقتها شمال اليمن لا يقع تحت اي احتلال او اي نوع من انواع الانتداب. بعد الثورة تغير الامر وصرنا غارقين في خلافاتنا الداخلية وكانت علاقات اليمن الشمالي آنذاك تقتصر على تدخلات مصر والسعودية لحل النزاعات او بالاحرى اشعال فتيلها في الداخل. في ذلك الحين كان جنوب اليمن يضج بأفكار القوميين العرب وكان له اهتمام في المشاركة ومساعدة اطياف فلسطينية (يسارية) في صراعها مع العدو الاسرائيلي بأعتبار القضية الفلسطينية  هي قضية العرب الكبرى, اليمن الجنوبي كان فعالاً في المشهد العربي آنذاك. ونذكر حادثة خلاف وديع حداد احد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة القوميين العرب مع كارلوس الذي قام بعده عمليات لاجل الجبهة, هذا الخلاف الذي كان بسبب فشل عملية اختطاف ممثلي منظمة اوبك في الجزائر وقيام كارلوس باخذ فدية عن الرهائن بدل قتل وزير النفط السعودي آنذاك عبده يماني. بغض النظر عن العنف القائم وقتها فان دعم اليمن الجنوبي للجبهة كان مهما جداً ومؤشر على إنخراط اليمن في قضايا الأمة. يقال وقتها انه عندما كانت الجبهة تفاوض على فديات لرهائنها كانت تطلب مليون دولار لها ومليون لليمن.

في حرب لبنان والاجتياح شارك العديد من اليمنين سواء من الجنوب او الشمال في القتال ضد العدو الاسرائيلي وحلفائه لكن بدون دعم رسمي لذلك.

وتطوى صفحة مرحلة الكفاح المسلح في المنطقة ويخبو نجم اليمن في المشاركة السياسية العربية. تقوم حرب الخليج الاولى فتقوم الدول العربية بدعم صدام لانه البوابة العربية امام المد الفارسي فيمدونه بالمال والعتاد اما صالح فيرسل الوية من قواتنا المسلحة ليشاركوا في حرب لم نعرف الى الان ماكانت جدواها.

يخبو نجم اليمن مجدداً ويغرق جنوب اليمن في عزلته بسبب صراع  ونزاع الرفقاء على السلطة الذي غذاه واذكاه اخوةٌ لهم. الى هذا الوقت كان اليمن الجنوبي يشهد حركة ثقافية وفنية وكان اليمن الشمالي يمضى على نفس الخطى لكن بخجل. يسقط الاتحاد السوفييتي فيتوحد اليمن. نعود الى دائرة الضوء والعرب يحتفون بالوحدة المباركة وسط تعالي الدعوات الى وحدة عربية فتقوم حرب الخليج الثاني لتكشف سوأة العرب. ينقسم العرب وتأخذ اليمن صف الفريق المعروف خسارته مسبقاً لان رئيسها (صالح) ببساطة وفي لأصدقائة! ليته كان بهذا الوفاء لشعبه!

هنا تبدأ المأساة الحقيقة. اليمن يتم تغييبه من قبل دول الخليج التي ترى في مساندة صالح لصدام خروجاً وشقاً لعصى الطاعة لها. كأن بالتأكيد قراراً خاطئ ً من صالح لا تزال اليمن تتجرع مرارته الى يومنا هذا. خلافات حادة تنشأ بين صانعي وحدة اليمن الجديد, يتفاقم الخلاف فيتدخل ملك الاردن حينها الملك حسين لكن وساطته لا تمنع البلاد من الانجراف نحو مستنقع الحرب الاهلية. يقع المحظور ويتم تهميش جنوب اليمن باعتباره من وجهه نظر صالح الخاسر لكن الحقيقة ان اليمن كانت الخاسر الاكبر فمن يومها اصاب الشلل الحركة العلمية والثقافية والفنية في البلاد وبدأنا بالتراجع.

سقوط حر من بلد الحكمة والايمان وحضارة سباء الى دولة فاشلة, هذا ماجنيناه في السنوات الفاصلة بين حربنا الاهلية وثورتنا الحالية. غرقنا في مأساتنا الداخلية ولم يعرف العرب عنا اي شي سوى بضعة اخبار يظهر بها رجال ملتحون مع بنادق يتوعدون العالم بالعقاب.

الان مع هذه الثورة التي ليست الا جزء من انتفاضة عربية كبرى احب ان اسميها الثورة العربية الكبرى لولا ان التسمية هذه مكررة لكني اعتقد ان مايحدث الان هو بالفعل الثورة العربية الكبرى وقد نضيف اليها كلمة شعبية. في ظل هذه الثورات لا يزال هناك داخل اليمن من يشكك في كون ما يحدث في شوارعها الان انتفاضة شعبية ارتدادية للثورة التونسية والمصرية ويصرون على تسيسها. السياسة والاحزاب موجودون منذ زمن لكن الان الكلمة هي للشعب سواء كان متحزباُ ام لا. لايزال هناك من اليمنين ممن تعودوا على العزلة عن الواقع العربي من لايرى اننا فعلا لازلنا جزء من هذه الامة واننا نقوم الان بكتابة فصل اخر لحكاية ربيع الثورات .

هذه الثورة تمهد لعصر جديد من التفاعل اليمني في المشهد السياسي والتاريخي العربي لا وبل صياغته ورسم اطره. لكن قبل كل هذا يجب على اليمني ان يكسر عزلته ويقتنع انه جزء من الحدث وان عصر التهميش لليمن الذي اسهم صالح في ارسائه ولى بلا رجعة.

أنها الثورة العربية الشعبية الكبرى ! ونحن منها وفيها!  

1 comment:

  1. مقالة واقعية جدا اثريتي ثقافتي الليله اشكرك

    ReplyDelete