Monday, April 18

أنا والدستور




حكايتي مع الدستور تعود الى بضعة سنوات مضت هي سنوات اغترابي. في بداية رحلتي المستمرة خارج اليمن بدأت تنهال علي الاسئلة عن الوطن وماهيته. هذه الاسئلة نادراً ما تأتي على بال الشخص وهو ينعم بهواء بلاده. في معرض بحثني عن تعريف للوطن ولليمن بالاخص بدأت بقراءة كل ما تحط عليه يداي مما يتعلق باليمن تاريخاً وسياسة ًواقتصاداً وغيره عليَ اجد تعريف لليمن وفي البدء كان الدستور.

قرأتي الأولى لدستور وطني –للأسف- كانت وانا في التاسعة عشر من عمري. اقول للأسف لأنها جاءت متأخرة وكلي حسرة اني لم اقرأه من قبل, لاني لم اعرف ماهي حقوقي وواجباتي من قبل حتى وان كانت "ماقبل" تعني عدم اهليتي للتصويت فنحن شعب لا نرى  اهمية التوعية السياسية الا وقت الانتخابات. اتحسر على اني قبلها لم اعرف الاسس التي تقوم عليها الجمهورية اليمنية و ان هنالك الكثير من المتعلمين ممن يمضون في حياتهم دون ان يقرأوا مادة واحدة من الدستور وتزيد الحسرة  عندما افكر في اكثر من 50% من شعبنا ممن لا يستطيعون القراءة والكتابة فهل ياترى سيجدون من يقرأ عليهم مواد الدستور؟


قد تبدو قراءة مواد الدستور ترفاً للبعض في بلادٍ نهشها الفقر والفساد لكني ارى ان الوعي بالاسس التي اقيمت عليها البلاد هو من صلب المواطنة وبداية الطريق لحل المشاكل التي تؤرق المواطن. فالعلم بالحقوق هو شرارة المطالبة بها لاسيما تحت نظام دكتاتوري يتخفى بالديمقراطية كأغلب الانظمة العربية. معظم الدستاتير العربية تتشابه  وتكاد تكون متطابقة بغض النظر عن بضعة مواد في دساتيرها كمادةٍ في دستورٍ عربي تشير نصاً الى احقية حزب معين في حكم البلاد. العامل المشترك الاكبر بين هذه الدساتير هو انها وردية تقارب وردية افلام خمسينيات القرن الماضي حيث يفترق الحبيبان لان الباشا يقف عائقاً في طريق هذا الحب. فالشعوب العربية تواقة الى الديمقراطية ودساتيرها –اغلبها- ديمقراطية فأين المشكلة؟ المشكلة في الباشا الدكتاتور الذي يتفنن في الالتفاف على الدستور ليضمن لنفسه فترة اخرى في الحكم او ليبرر لشعبه حرباً اهليةً اخرى.


وتستمر قراءاتي للدستور في  فترات متقطعة, عندما تقصق طائرات اجنبية ابناء بلادي العزل اهرع الى الدستور علي اجد ضالتي التي تبرر هكذا تدخل لأجد المادة 48 فقرة –أ- ( تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم ...)  فأتسأل عن اي كرامة نتحدث هنا! وعندما يعتقل صحفي ويتم اخفائه في سجون الدولة لحوالي الشهر دون زيارة او اي اتصال مع العالم الخارجي اجد امامي المادة 42 ( لكل مواطن حق الاسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصوير في حدود القانون) والمادة 48 فقرة –د – (عند إلقاء القبض على أي شخص لأي سبب يجب ان يخطر فوراً من يختاره المقبوض عليه ...).


تستمر هذه القراءات الى قبل بضعة اشهرعندما كانت حمى التعديلات الدستورية مشتعلة في اليمن لأجد نفسي ذات يوم اخرج هاتفي من جيب معطفي واذا به مفتوحٌ على اول صفحة من الدستور اليمني. نعم فأنا احتفظ بنسخة من الدستور في هاتفي لكن لا ادري ماللذي فتح تطبيق الكتب واختار الدستور اليمني خصيصاً دون بقية الكتب ليفتحه. تنتابني غصة وانا اقرأ المادة 4 (الشعب مالك السلطة ومصدرها ...) وافكر بمشروع التعديلات الذي كان يصبوا الى السماح لرئيس الجمهورية بعدد غير محدود من الفترات في الحكم ولا يزال هذا الرئيس يصر على ان الشعب فعلاً هو من يملك السلطة, السلطة التي سمحت له وعائلته بإستباحة مقدرات البلاد ونهبها  بينما يقبع اكثر من نصف اليمنيين تحت خط الفقر ويعانون من الامية والجهل. هذه هي السلطة التي يملكها الشعب على الاقل صورياً هي نفسها من يدافع عنها بأستماته وحتى اخر "قطرة دم".

ويبدأ نقاش دستوري محموم بين الاصدقاء فيقول لي صديق بأننا في اليمن نقدس الاشخاص على النصوص فالنص الدستوري والتشريعي لاقيمة له امام اشخاص معينيين. ويلوم صديق أخر مجلس النواب الذي لا يمثل الشعب ومصالحه وانما يمثل الرئيس وعائلته. امازحهم قائلة بأني اتمنى لو اربط مادة تحديد فترات حكم الرئيس بحجاب او بعمل او ان يتم وضع مادة تمنع تعديل مادة تحديد فترات الرئيس فيرد أخر بانها بسيطة وانهم سيعدلون مادة المنع ويحذفوها ومن ثم يعدلون مادة تحديد الفترات فنجد نفسنا عدنا الي حيث ما بدأنا.


الان مع انتهاء الحديث عن التعديلات الدستورية او عن اي سيناريو لتوريث الحكم وتحول الحديث نحو اسس الدستور الجديد والجمهورية الجديدة التي ستقام بفضل ثورة اليمنيين المستمرة في ميادين الحرية في كافة ارجاء اليمن لا استطيع سوى ان احلم معهم بدستور جديد.

دستور افضل, حقوق اكثر
دستور يتم تطبيقه على ارض الواقع ولا يبقى حبيس الورق
دستور يعطي المرأة تمثيل برلماني اكبر
دستور يساوي بين جميع افراد الشعب وبين الجنسين في كافة الحقوق والواجبات
دستور ينص على الزامية التعليم كجر اساس لحل مشكلة الامية التي تشل اليمن
دستور لايتم تعديله على هوى البعض
دستور لا يعطي صلاحيات مطلقة لرئيس الجمهورية
دستور ينص على فترتين رئاسيتين كسقف اعلى مع 4 سنوات لكل فترة
دستور يضمن شفافية جميع قرارات رئيس الجمهورية
دستور يحترمه الجميع, والرئيس خصوصاً
دستور يكتبه برلمان نزيه منتخب يمثل جميع اطياف الشعب

والاهم من هذا كله ان يعي المواطن اليمني ان هذا الدستور تمت كتابته من اجله ومن اجل الحفاظ على حقوقه وحقوق الاجيال القادمة من بعده فلابد لكل افراد الشعب من الاطلاع عليه.
احلم بيوم اجد فيه نسخة من الدستور في كل بيت يمني ...

No comments:

Post a Comment