Tuesday, January 15

...عن المحاصصة وتعبئة الجماهير وأشياء أخرى

البارحة ليلا وانا أتجول في تويتر استوقفتني تغريدة لأطياف الوزير تقول فيها ببساطة ان "المحاصصة لا تعني الديموقراطية"

كلام جميل وسليم. لا ادري من قد يختلف معه. العبارة جعلتني افكر في المحاصصة الحزبية المقنّعة التي تجري حالياً في اليمن بإعتبار التكتلات الحزبية هي غطاء لتكتلات قبلية، طائفية وأحياناً أيديولوجية. طبعاً كل هذا النقاش عن المحاصصة الحزبية في اليمن ماهو إلا هراء يسبق المطاحنة المناطقية الطائفية التي نمضي بخطى واثقة إليها.

أرى انه يجب علينا وقف هراء الحزبية هذا والمضي نحو المشروع المناطقي الطائفي اللذي هو بالأصل فاشل لكن فئة كبيرة من الشعب تصر على خوضه! بوعي او بلا وعي. بالتأكيد سنخسر الكثير في هذه التجربة لكننا قد نتعلم مالم نستطع تعلمه من الخمسين عام الماضية.

ربما نصل بعده لمشروع الفيدرالية الذي -لغاية ما في نفس يعقوب - غير مطروح للنقاش بشكل جدي حالياً

تعبئة الجماهير مناطقياً وطائفيا أسهل بكثير من تعبئتها حزبياً لعدة اعتبارات:

١- الوعي والانتماء الحزبي بحاجة الى وعي ثقافي أولاً وهذا ما نفتقد اليه في اليمن. وفي الانتماء الحزبي مساحة من الديموقراطية بعكس الانتمائين الطائفي والمناطقي حيث يستطيع المرء "إختيار" الحزب اللذي ينتمي إليه. طبعاً هذا يحدث عندما لا يكون الحزب طائفياً او مناطقياً.

٢- التقسيم الطائفي سهل بإعتبار انه إقليمي وليس محلي فقط ويتم الاستثمار فيها منذ عِقد، منذ غزو العراق في ٢٠٠٣

٣- التقسيم المناطقي- وانا هنا لا أعني تقسيم (جنوب-شمال) فقط- أسهل من جميع التقسيمات السابقة لأننا اليمينيون نستثمر فيه منذ الأزل بسؤالنا الشهير: من وين أنتو؟ من صنعاء. لا أقصد من وين اصلكم؟ قريتكم؟

ف المشروع المناطقي والطائفي أسهل للتطبيق ويوفر الكثير من الجهد والمال


وهذا يوصلني للعبث الدائر في الجنوب حالياً. وهنا يجب الإشارة لشيئين: الأول هو تعاطفي الشديد مع الجنوب وإيماني بأنه جزء مهمش من اليمن. ثانيا: عدم اقتناعي بمنطقية مصطلح "فك الارتباط" الذي ينم عن سذاجة سياسية.

توجد نظرة نوستالجية وردية دائماً عن الجنوب عند الحديث عن "فك الارتباط" في حين ان الجنوب لم يكن أبداً وردياً - سياسياً على الأقل- فلماذا تلميع تلك الصورة حالياً. يتم تلميع تلك الصورة الان لأن لاعبي الأمس هم اغلب لاعبي اليوم في المسألة الجنوبية بمعني ان مطلب "فك الارتباط" ليس وليد هذا الجيل وإنما يأتي من جيل تكبد خسارات كبيرة، سواءً في زمن الحزب الاشتراكي أو عهد دولة الوحدة، ورأى ان "الان" هي ساعة الصفر لإستعادة ما خسروه. انا هنا لا أتحدث عن المطالب الشعبية .وإنما عن التكتيكات السياسية الملحقة بالحراك الجنوبي

بالحقيقة مشكلة الشمال والجنوب هي مشكلة سياسية بحتة او مشكلة مراكز قوى داخل اليمن الواحد. لكن اجتماعياً يبقى اليمن كما كان، واحداً لا ينقسم.

الكارثة الان هي خلط السياسي بالاجتماعي بمعنى ان إدراكنا بإن مشكلات اليمن سببها نخبة حاكمة لا يهمها أبداً مصلحة البلاد يتم إعادة فرزه بمعطيات جييوغرافية ترتكز على التقسيم المحبب لدى مراكز القوى ألا وهو شمال-جنوب.

برأيي، إن مأساة الجنوبيين تم استغلالها لتشوية وطمس حقائق تاريخية منها ان اليمن الشمالي كان قاعدة مهمة لتحرير الجنوب، ليس من باب التمنن وإنما من باب الواجب لان اليمن كما أسلفت واحد لا يتجزأ. ومنها ايضاً ان الحرب الاهلية في عام ٩٤ لم تكن تماماً شمالية. والدليل قيادة عبد ربه هادي كوزير دفاع -تم تعينه في مايو ٩٤- للقوات التي سيطرت على عدن في ٧ يوليو ٩٤.


عبد ربه منصور هادي، الجنوبي من أبين، رئيس اليمن الحالي والخاسر السابق في حرب ٨٦ الأهلية في الجنوب والذي لم يكن يوماً على وفاق مع من يطالبون اليوم ب "فك الإرتباط" يحاول البعض -جهلاً- تسويق صورته كرئيس "جنوبي" لليمن في حين يرى قرّاء التاريخ، غير البعيد، انه دخل عدن دخول الفاتحين في صيف ٩٤. هذا الرئيس"التوافقي" يعوّل عليه قيادة حوار وطني شامل للخروج بدستور ونظام سياسي جديدين يسمحان بإستمرارية هذه البلاد التي ساهم هو في أحد حروبها الأهلية!

هذا الخلط للأوراق هو الذي يسمح للمواطن اليمني بالدخول في دوامة إرتباك لا يستطيع فيها تصنيف السياسي -المؤثر- إلا بحسب إنتمائه المناطقي وهذا شرعي جداً لان المواطن العادي من حقه الا يحلل ويفلسف الأمور سياسياً ويراها كما هي ظاهرياً. وفي نفس الوقت لا يعطي المواطن العادي أي فرصه لتقييم عمل السياسي او للنظر بعين إنتقاديه لعمله العام. وبدلاً عن ذلك ينقاد المواطن خلف السياسي وشعاراته الجوفاء.

بدون أي انتقاد لعمل الساسة في اليمن، الذين هم نفسهم لاعبي الأمس، الذين اثبتوا فشلهم في كل منعطف تاريخي لهذه البلاد، سنبقى في نفس المستنقع الذي أوصلنا الى لائحة الدول الفاشلة! وقتلنا في حربين اهليتين في خلال اقل من ١٠ سنوات في التاريخ الحديث ووضعنا ضمن أفقر ١٠ دول في العالم.

بدون تقييم وتقويم العمل السياسي في اليمن سنظل ندور في نفس الحلقة المفرغة، التي يعتقد من يطالبون ب "فك الإرتباط" بأنهم قادرون على كسرها فقط بمجرد "التحرر" من قيود صنعاء.
صنعاء تريد أيضاً ان "تتحرر" من إرثها السياسي لكن هذا لا يحدث بين عشية وضحاها.

لدينا إرث سياسي معقد يجب التعامل معه أولاً -أو التخلص من أثاره- وبُناءً عليه يمكن بعدها النقاش في ملامح المستقبل المُتخيَل و المُتوقَع لليمن.

لدينا أيضاً وضع إقليمي يحدد أُطُر المستقبل اليمني.
وكما أثبت لنا التاريخ ف العوامل الخارجية المؤثرة على الحياة السياسية تظل أكثر تأثيراً من أي عامل داخلي نظراً لعدة أسباب لا يتسع المجال لذكرها هنا لكن اهمها ضعف البنية الاقتصادية للبلاد التي تؤدي الى التبعية المالية لدول أخرى وبالتالي ضعف السيادة على القرار السياسي الداخلي.

ربما تكون الفيدرالية هي حلنا، ربما تقلل الفيدرالية نفوذ صنعاء. ربما ترضي الجنوبيين. ربما تكون مستنقع فشل اخر تغرق فيه اليمن. كلها احتمالات والزمن كفيل بترجيح كفه أحدها.

وربما يصبح "فك الإرتباط" حلاً مطروح على طاولة النقاش -بعد إستنفاذ جميع الحلول الأخرى- مع اني اشك في كونه يوماً ما محل نقاش سياسي جدي إلا إذا ما اصبح الحراك الجنوبي مسلح وفرض شروطه على الحوار.

بعيداً عن أحلام مطالبي "فك الإرتباط" وجشع نخبة حاكمة، يجب أيضاً الأخذ بعين الإعتبار إذا ما كان الوضع الإقليمي والنظام العالمي يسمحان بدولة "جديدة" في منطقة ممزقة كالشرق الأوسط.

أتفهم تماماً غضب الشارع في الجنوب لكني ارفض الانسياق وراء شعارات حق يراد بها باطل. ولمن المهم أيضاً الإشارة بأن الديموقراطية ليست كلها خير، ف القرار الذي يتم إتخاذه ديموقراطياً ليس بالضرورة ان يكون صائباً أو حكيماً والعكس صحيح.

بالإمكان العمل على مواجهة هذه التعبئة المناطقية والطائفية في اليمن لكن هذا قد يعتبر نوع آخر من التعبئة.

كما نرى، إن الوضع معقد في اليمن ولن تحله محاصصة ولا "فك إرتباط" وإنما مواطنة حقيقية يجب علينا البحث دائماً عن حلول. يجب علينا البحث عن "ثاني-افضل" حل كما يفعل الاقتصاديون عندما يكون "اول-افضل" حل حلاً نظرياً غير قابل للتطبيق ضمن معطيات الواقع في الزمن ( ز=٠ ) أي الآن!

4 comments:

  1. أولاً اريد التاكيد على أنني احترم وجهة نظرك ووجهة نظر جميع المتفقين او المخالفين معي من حيث المبداء.. بل أنني استمتع بقرأة المخالفين لتفكيري 90% من الوقت..ببساطة لان لا جدوى إعادة إستنهاج لافكاري بقرأة المؤيدين لوجهة نظري.

    طبعاً يبدو واضحاً انني من مؤيدي الحراك السملي الجنوبي..بل وناشط فيه من قبل أن يظهر في 2007.

    أسجل إعتراضي على فقرتين لانني رايت فيهما تجاوزاً على الاقل حسبما ارى: اولها وصفك لما يحدث بالجنوب على أنه "عبث"... وهذا نسف للمقال من حيث المبداء فلماذا الإلتفات للعبث اصلاً من قبل شخص وإعطائة اكثر مما يستحق..بإعتباره أولاً واخيراً!!!

    الفرة الثانية التي بدت لي غريبة للغاية هي توصيفك لما حدث في 94 على أنه تحرير للجنوب!!! وبل وألحقتي العبارة بأن هذا ليس فيه نوع من المنة!

    بصراحة لا افهم هذا التعبير..إلا لو كنتي تعتقدين بأن حرب 94 التي اعلنها علي صالح هي لتحريره من الشيوعية والكفر والإلحاد حسبما يؤمن فيه تجار الدنيا والدين، وكم هم كثيرين في صنعاء.


    تعليقي بشكل عام عزيزتي..هو أن هناك قصر نظر كبير .. للاسف كبير جداً ليس لتحليل ما يحدث بالجنوب، بل قصر نظر "لفهم" ما يحدث بالجنوب.. وبرأيي أن هذا القصر بالفهم وليس "بالتفهم" سيصيب الكثيرين بالصدمة عندما يصحون على حقائق غير قابلة للدحض.

    برأيي ان المهم الآن هو أن على الشمال ان يعرف ليس لماذا يريد الجنوب الإستقلال أو ان يعرف كيف سيتم ذلك، بل عليه أن يعرف ويعي كيف أن ما حصل في الجنوب وما سيحصل فيه مرتبط بخلل وجداني في النفسية الشمالية التي اوصلت الامور لهذه النتيجة.. ولنكف رجاءٍ إختلاق اعذار تغطي عيوبنا بخلافات سياسية.

    الخلافات السياسية ليس سوى راسس القمقم فيما يتعلق بالقضية الجنوبية ورغبتنا بفك بالإستقلال التام والطلاق التام مع أي شكل من أشكال الإمتهان السياسي والإقتصادي والإجتماعي تحت أي ظرف من الظروف..ولو خيرنا خيرات العالم بيد وجنوبنا بيد..فجنوبنا أغلى من اي طرح آخر.. جنوبنا الذي هو اليمني..والعربي..دون خجل او تردد وهذه الحقيقة لا تقدم ولا تؤخر ولا تعني ان ندفع ظريبة لكوننا عرباً او يمنيين من أبناء ملوك حمير.




    آخيراً شكراً لك أمل..شخصياً اعرف افراح لكن اليوم اتشرف بزيارة مدونتك :)

    ReplyDelete
  2. اهلين ثابت ...

    أولاً شكراً على التعقيب

    ثانياً، أرى انه من واجبي توضيح بعض الامور الذي يبدو انها فُهِمَت بشكل خاطئ في المقال.

    عندما تحدثت عن تحرير الجنوب كنت أتحدث عن تحريره من الاحتلال البريطاني ومن المستحيل ان اصف حرب 94 الأهلية بإنها حرب تحرير للجنوب. وكلمة تحرير الواردة في سياق احداث عام 94 ومابعده كتبتها بين هلالين للدلالة على تهكمي وسخريتي من المصطلح

    وبالنسبة لمسألة توصيف ما يحدث في الجنوب ب "العبث" ف أرى ان هذه التوصيف مشروع تماماً لأني مؤمنة اننا في الشرق الوسط مستنزفون في تفاصيل مليئة بالعبث واما الخطوط العريضة التي تحدد مصيرنا فمتفق عليها مسبقاً وما يحدث الان ما هو إلا حرب إستنزاف للمواطن العربي ...
    وانا اختلف معك بالنسبة للاهتمام بهذا العبث، لانه في النهاية يستهلك طاقتنا وحيواتنا فيجدر بنا تحليله ومحاولة فهمه على الاقل

    عزيزي ثابت ها انت تؤكد في كلامك ما قلته في مقال وتصر على خلط الاجتماعي بالسياسي وتلقي باللوم على "النفسيةالشمالية" التي لا اعرف ماذا تقصد بها بالضبط
    وإنه ليحزنني ان نبدأ بإستخدام مصطلحات تعميمية هكذا.

    يسعدني جداً ان نتفق على ان الجنوب يمني، وأنا هنا لا اعني ابداً أن الجنوب إذا ما صار يمنياً فهو محكوم بالتبعية للشمال، لا أبداً. اليمن اكبر من تقسيمات جغرافية حديثة .

    في النهاية اشكرك على تعليقك و إن شاء الله يرجع الجنوب معزز مكرم بيدكم بس نضل اخوة وعيال نفس الوطن :)

    ReplyDelete
  3. شكراً امل،

    اولاً اعتذر عن فهمي الخاطي لموضوع التحرير..فعلاً رجعت اقراء العابرة مجدداً وفهمتها بشكل صحيح كما اوضحتي بالتعقيب.

    فيما بخص إستنزاف المواطن العربي..فانا متفق تماماً.
    أصلاً انا أعي أن تفكك المشروع اليمني الذي نسير إليه واشارك فيه هو مناقض لمنطق أن التوحد هو الصحيح والافضل والأجمل.. هذا كلام لا لبس فيه ولكن أن أعي ايضاً أن هناك شورط وواجبات لمثل هكذا توحد أجدها مفقوجدة تماماً هنا وفي كل الاقطار العربية. الامر ليس رفع شعارات .. اعتقد أن هناك فرصة للتوحد بعد 100 عام ربما بعدما يتم عملية تمحيص وفهم وطرح جلول للمشاكل التي رافقت كل المشاريع السياسية في الوطن العربي واليمن خصوصاً.
    فليس من المعقول ان يكون ذلك الكيان الجميل المتمثل بالوحدة ينتهي بإمتهان لكرامة أي إنسان فيه..هناك خللل جوهري لا شك، بالتالي لا بد من إصلاح الامر من القاعدة وعدم القفز للمشاريع الكبيرة دونما بناء القاعدة لانها تنتهي بماساة..وحال الوضع بالجنوب خير دليل.

    نعم اسحب لفظ التعميم إن فهمتيه بذلك الشكل ولكن انا عندما اتكلم بالتعميم اقصد هنا التعميم على النخبة الشمالية التي تتولى تسيير امرو الحكم ولا اتكلم عن المجتمع الذي قد يكون او لا يكون مؤيد فهذا امر لا يعنين بل يعنيني أن ذهنية النخب فيها مشكلة..والامر ليس بالعظيم بالاخير ..أعتقد أن مشروع الوحدة اليمنية أكبر من أدراكهم..بمعنى آخر..أكبر منهم.

    بخصوص الجنوب يمني..ازيدك من الشعر بيت..بل نحن أصل اليمن ههههههه فمن هنا خرجت حمير ..وتقول الاساطير أن قابيل وهابيل عشانا بعدن! هههههههههه

    اما بخصوص الاخوة الإنسانية..فهي اكبر من كل المشاريع السياسية، تبنينا المسار السلمي لأن فيها ضمان لبقاء هذه العلاقة الإنسانية لحاجتنا جميعاً في الشمال والجنوب لها..لا نريد أن نزرع احقاداً اكثر مما قد زرعت أصلاً، ولا نريد ان نسقي ما نبت منها بدماء ستنسي ابناء اليمن كلهم شمال وجنوب حقيقة أنهم لا بد أن يسموا على قطعة ارض او برميل نفط من اجل أن يلتقوا في رحلة شتوية في عدن واخرى صيفية في صنعاء.

    ReplyDelete
  4. اووووه نسيت اقول شكراً جزيلاً ع تعقيبك كمان

    ReplyDelete