Monday, January 5

بضع ملاحظات حول كارهيّ ومحبيّ الحوثي







لا بد من الإعتراف بأن لحظة إجتياح الحوثي لصنعاء كانت إحدى اللحظات الفارقة في التاريخ السياسي والإجتماعي الحديث للبلاد. من يومها وأنا في حالة إستغراب لما يحدث ليس لعدم توقعي لحدوثة بالرغم أني كنت بالفعل لا أتوقع الإنهيار السريع التي إنهارت به صنعاء، لكن إستغرابي نابع من عدم توقعي حدوث ما حدث رغم أني إنسانة عقلانية أحاول جاهدة أن أفسر وأحلل الأمور كما هي وليس كما أحب ان تكون لكن الفرق بالنسبة لموضوع اليمن كان كالرغبة في التعقّل في علاقة حب. هنالك خط رفيع بين رؤيتك للأمور كما هي وكما تريدها أن تكون، وهذا وذاك قد يتداخلا بالأخص عندما تكون مشاعر كالحنين والأمل وغيرها على المحك. في نهاية اليوم أنا لست محللة سياسية ولا طالبة علوم سياسية حتى أمضي كل يومي في تحليل الأحداث على الأرض  بشكل موضوعيّ.


لا أجزم بأني موضوعية تماماً لكنّي على الأقل أحاول أن أتحلى بها. وضمن محاولاتي لرؤية الأمور كما هي قمت في الفترة الماضية بالتركيز على ما يقوله اليمنيون على وسائل التواصل الإجتماعي فيما يتعلق بسيطرة الحوثي على صنعاء وغيرها من المدن -ربما يجدر بي هنا أن ألتزم بوصف من أتحدث عنهم بالشماليين لأن الجنوب له مشاكله الخاصة ولا يبدو أننا نهتم أو نتأثّر بنفس الأحداث. وبكل موضوعية أرى أن الحوثية كحركة "سياسية" تحمل مشروعاً متخلفاً لليمن كغيرها من الحركات والأحزاب السياسية الكبرى – عدا الحزب الإشتراكي فهو لا يحمل أي مشروع. الأفكار الواردة هنا هي محاولة لإعادة ترتيب الأفكار أوخلق طوبوغرافيا فكريّة حول مسألة يبالغ البعض في تعقيدها سواء من محبيّ أو كارهيّ الحوثي. ومن جملة ما لاحظت مؤخراً من معارضيّ الحوثي التالي:

§ التجاهل التام "لمظلومية" الحوثي والتعامل معه وكأنه أتى البارحة لغزو صنعاء دون أيه أسباب أو أحقاد. وهذا التجاهل لا ينبع إلا من جهل أو من إستغباء. الحوثي خاض حروباَ ستَة داخل اليمن ونحن إلى يومنا هذا نخجل من تسميتها حرباً أهلية، بالطبع لأن تسميتها كذالك لها تبعات لا نود التعامل معها حالياً. هذا الإنتقاء في التعامل مع المسألة الحوثية لن يفيد في محاولة فهم الواقع الراهن.
§ تصوير صنعاء وكأنها حاضرة النهضة اليمنية وإجتياح الحوثي لها أوقف المشروع النهضوي العظيم اللذي كانت تعيشه في حين أن الجميع يعلم أن اليمن دولة فاشلة وما حدث كان نتيجة طبيعية لإنهيار الدولة وإحلال جماعة دينية مسلّحة مكانها.
§ المبالغة في كراهية الحوثي حد الإصطفاف بشكل غبيّ في المعسكر المقابل له - حرفياً. الغفوري نموذجاً. البعض هنا يتصرف وكأن الصراع السياسي مباراة كرة قدم ويجب على الفرد ان يشجع فريق من الفرق المشاركة- أي فريق.ملاحظة: بإمكانك عدم تشجيع أي الفرق المتناحرة.
§  إحلال صفة الصراع المذهبي على صراع سياسي إجتماعي بالدرجة الأولى يخلق حالة من الإلتباس لدى العامّة. على سبيل المثال، دخول الحوثي لصنعاء مُصوّراً كميليشيا "شيعية" وتحالفه في نفس الوقت مع صالح سبب حالة إرتباك لأنصار الأخير. لم يستطيعوا في بادئ الأمر التوفيق بين نزعتهم الطائفية لرفض كل ما يتعلق ب ويأتي من الحوثي لأنه "شيعي" مع تحالف زعيمهم معه، في حين أن لو لم يتم إلحاق الصفة المذهبية بالحوثي في كل حديثٍ عنه لكان من الأسهل للعامة روؤية البعد الإجتماعي لهذا الصراع.

ومن محبي الحوثي رأيت التالي:

§  التنوع الغريب بين أنصار الحوثي – أنصار أنصار الله- اللذي لا أستطيع حتى اللحظة فهمه أو حتى تبريره إذا ماكان المناصر شخصاً متعلماً، لكن على مايبدو أن الإحباط والتعاسة المخيمّة على شباب اليمن قد تمضي بهم حتى إلى مناصرة حركة مسلحة ليست لها أية خطط واقعيه للنهوض باليمن وكل رصيدها هو بضعة شعارات رنّانة لمحاربة الفساد.

§  الإعلان الكبير لأبناء العائلات الزيدية والهاشمية لمناصرتهم للحوثي وتبرير ذلك بأن الهواشم ظُلِموا بعد ثورة 62 وهُجِّروا من بلادهم. المقلق في هذا التبرير هو فكرة إستحقاق الهواشم -الإلهي- المبطّن للحكم والطبقية التي يعاد صيغاتها اليوم بنفس معطيات ماقبل 62 بمعنى أن العوائل الهاشمية  تتصدر السلّم الإجتماعي وبالضرورة ستتصدر السلم السياسي والإقتصادي أيضا. وسيكون من الجحود هنا نكران إحدى حسنات حكم صالح حيث كان هنالك تكافؤ في الفرص لصعود السلم الإجتماعي والسياسي، للفاسدين طبعاً. وبالعودة لمسألة المظلومية لا أستطيع هنا إلا أن أتسأل إذا ماكان الهواشم هم الوحيدون اللذين ظٌلِموا في الخمسين سنة الأخيرة.

§  التشفّي من الخاسرين أمام الحوثي القوي. إذا كان يجب لنا أن نتعلم شيئ وحيد من الأربعة أعوام الماضي فبالتأكيد سيكون إدراكنا بأن الأيام دول ومواقعنا بين خاسر ورابح تتبدل بشكل أسرع مما نتوقع.

الجانب المشرق لما حدث:
§ التنوع بين فئات مناصري الحوثي مطمئن بعض الشيئ لكونه يدل على ان اليمنيين لازالوا قادرين على الإتفاق على شيئ بالرغم من الإختلاف المناطقي والمذهبي.
§  البعد الطبقي الفجّ في إستعراض مناصري الحوثي لدعمهم له قد يكون بداية لنقد النظام الطبقي برمّته في اليمن.
§ وضوح الحاجة الملحّة لحراك إجتماعي علماني غير مسلّح يواجه الجماعات الدينية بإختلاف مذاهبها.
§ الواقعية المصاحبة لأي نقاش حقيقي للبدء في التفكير بحلول لمشاكل اليمن المتعددة والإبتعاد عن الإدعاء بأن إنتخابات، أي إنتخابات، ومحاصصات ستحل مشاكل اليمن دفعة واحدة.
§ الإستيعاب التدريجي لضرورة العمل على إرساء الديموقراطيّة لإستيعاب إختلافاتنا. فتجسّد فكرة الدولة الفاشلة في ما حدث عند إجتياح صنعاء يدل على إنهيار شكل غير مستديم للدولة والحاجة لشكل أخر يستوعب جميع الأسباب التي أدت إلى إنهيار الشكل القديم. والديموقراطية لا يمكن إفتعالها وهي ليست سبب وإنما نتيجة. نتيحة لإيمان أي شعب بها ورغبته وعمله لأجل الحصول عليها.


No comments:

Post a Comment