Thursday, March 12

في حب السياكل



فجأة إنقطعت فرامل السيكل وأنا في طريقي البارحة من المكتبة إلى المنزل. وهنا أحب أن أستخدم كلمة "سيكل" -كما نقولها في اليمن-  عوضاً عن كلمة "دراجة" بالفصحى أو بقية الكلمات التي تعني "دراجة" باللهجات العربية الأخرى ك "بسكليت"، "عجل" وغيرها. 
أنقطعت الفرامل في بداية الطريق ووجدتني مضطرة لمواصلة ال ٣ كيلومترات المتبقية على الأقدام وأنا أجر السيكل. لم أقوَ على ترك السيكل في شارع "غريب" لوحده ويحظر قانون المواصلات هنا إدخال السيكل إلى الترام كما أني في كل الأحوال سأقوم بإصلاحه بنفسي. 


إرتباطي بالسيكل غير مفهوم لأغلب الأصدقاء حولي وأختي من أكثر المتخوفين من سواقة السياكل اللذين أعرفهم. بالتأكيد، سواقة السيكل ليست آمنه تماماً لكن أي من وسائل المواصلات تعتبر آمنه تماماً؟ 
هنالك وسائل سلامة يمكن اتباعها عند سواقة السيكل لكني لا اقوم بها. أشعر أنها تقيدني و تقضي على المتعة في سواقة السيكل، مثلا كإرتداء الخوذة الواقية التي ستمنع طيران شعري في الهواء عندما اسوق السيكل  والتي اعتبرها من اكبر المتع عند سواقة السيكل في الصيف خاصة. سواقة السياكل في الصيف تصبح حاجة أكثر من كونها هواية مع زحمة البشر في القطارات والروائحة الغير لطيفة التي يطلقونها. 

حكايتي مع السياكل تعود إلى طفولتي وليست وليدة إقامتي في ألمانيا. أتذكر سيكلي الوردي ذي الأربع عجلات  اللذي كنت أقوده في حوش عمارتنا الصغير، أمي لم تسمح لي بسياقة السيكل في الحارة. لا أدري لماذا. لكني لا أذكر أن أي من فتيات الحارة كان لديها سيكل أو حتى أنها كانت تسوق أحد سياكل إخوتها. بالطبع توقفت عن سواقة السيكل في سن المراهقة وبدايات لبس العباءة والحجاب مع أني كنت أحيانا أسوق سيكل إبن خالتي في حوش بيتهم الكبير - السيكل كان بعجلتين فقط.
وعندما سافرت إلى ألمانيا قمت بشراء أول سيكل لي في أول ٦ أشهر من إقامتي. كان قراراً عفوياً لم أقضي كثيراً من الوقت في تحليل أسبابه او تبعاته. وقتها كنت محجبة ولم أرَ أي مانع في سياقة السيكل وأنا محجبة.
الآن وأنا مع سيكلي الثالث وكم إصابة  في الكاحل بسب حوادث سير بسيطة أستطيع فهم أرتباطي بالسيكل كشكل ليس فقط من أشكال مقاومة النظام الأبوي وإنما من أشكال مقاومة النظام الرأسمالي. 
عندما تسمع  من بعض الفتيات أنهن لا يقدن سياكل لأن ذلك "خطر" على "عذريتهن" لا تملك إلى أن تحيّي إبداع خيال النظام الأبوي في خلق أيه أعذار و "موانع" لحرمان المرأة من الحرية والحرية هنا ببساطة هي حرية التنقل التي لا يعرف قيمتها الذكور أبداً. ناهيك طبعاً عن الهوس بالعذرية التي يظهر في كل المواضيع حتى في موضوع قيادة "سيكل". يجب هنا ذكر الشيخ الجليل اللذي قال بأن قيادة المرأة للسيارة تؤدي إلى تلف المبايض. دوماً يكون التبرير لحرمان المرأة من أبسط حرياتها جنسي بحت.

والسيكل بالنسبة لي كشخص لا يهتم كثيراً للسيارة وليس من ضمن أجندتي شراء سيارة في أي وقت قريب، السيكل هو تصريح سياسي بحد ذاته لرفض الإعتماد على السيارة كوسيلة تنقل. بالطبع هنا لا أنكر إعتمادي على القطارات في السفر لمسافات طويلة او في برد الشتاء ووقت هطول الأمطار. وكحل لمشكلة السواقة وقت المطر هنالك سترات بلاستيكية تحمي من المطر لكن لا شيء يحمي من إحتمالية إنزلاق السيكل عند السواقة على الثلوج. 
السيكل إعتماد على الذات. هو تحرر من الإعتماد على شركة القطارات وتواقيت عملها. هو تحرر من الإنتظار للباص. هو تحرر من الشوارع الواسعة المصممة للسيارات. لست بحاجة لبنزين أو تذكرة موقف سيارات مع السيكل. أنت بحاجة فقط لطاقتك ولياقتك البدنية. مع اني لا ألتزم دوماً بقوانين السير للسياكل إلا أني أؤمن بأهميتها. أذكر، في أحد إجازاتي في صنعاء، عندما سألت إبن خالتي، عمر، لماذا لا يسوق سيكل في صنعاء، وكان رده ببساطه انه لايريد أن يموت تحت عجلات السيارات. وقتها أستوعبت أن ليست النساء فقط من يواجه مشكلة  عند قيادة السيكل في صنعاء وإنما أيضاً الرجال. 

وإرثي اليمني/العربي يتجلى لي عندما أسوق على الجانب المعاكس في الطريق أو عندما أتجاهل الإشارة الحمراء وبالطبع عندما اسوق -ومازلت- بلا أيه اضواء على سيكلي في تحدي واضح للقانون اللذي يغرم أي سائق سيكل بلا أضواء مبلغ ستين يورو. 

والآن يجب أن أذهب لإصلاح فرامل وأضواء السيكل. 



No comments:

Post a Comment